علامة الموضة الرقمية السابقة كانت «الوصول الأوسع»: حسابات عامة، وملايين المتابعين، ومحتوى يُعرض للجميع. لكن السلوك الفعلي في السنوات الأخيرة يتجه بالعكس: المستخدمون يتركوا الساحة الكبيرة بصمت ويتجمعون في غرف صغيرة — مجموعات متخصصة لا تتجاوز مئات، وقنوات مغلقة محدودة، ومنتديات قديمة عادت من الرف، وتطبيقات مباشرة صغيرة. هذا التحول — من «الخطاب العام» إلى «الحوار الحميم» — هو أعمق تغيير في سلوك الشبكة منذ عقد، وله أسباب منطقية لا يملكها الإعلام الكبير إلا بعد فوات الأوان.
لماذا يهرب الناس من الميدان الكبير؟
- التعب من العرض الدائم: في الشبكة العامة كل منشور عرض — حذار من الخطأ، وحذر من الحكم، ونقاش يتحول إلى مشهد. الجيب الصغير يعيد الحديث إلى شكله الطبيعي: بلا منصة ولا جمهور غريب.
- الضجيج يفوق القيمة: خلاصات مليئة بمحتوى لا يخص المستخدم، وإعلانات تتسلل بين الأصدقاء، وأخبار تُطارد ليلًا — الجيب الصغير يقدّم قائمة نظيفة من الناس الذين تختارهم أنت.
- المعرفة المتخصصة لا تتفتت في العام: سؤال تقني دقيق في الشبكة العامة يُغرق في التعليقات السطحية — وفي مجموعة صغيرة يصل إلى ثلاثين شخصًا يجيبون بتجربتهم الفعلية — وهنا تُبنى القيمة الحقيقية للمعرفة الرقمية.
- الثقة تعود إلى الحجم البشري: من يلتقي بمجموعة محدودة يعرف أن ما يقوله لن يُقصّ ولا يُنشر خارجها — والثقة الصغيرة هذه هي ما تفتقده الشبكات الكبرى منذ سنوات.

القراءة الأعمق: هذه العودة ليست رفضًا للإنترنت العام — إنها نضج استخدامه. الجيل الذي عاش عقدًا كاملًا على الميادين العمومية اكتشف أن حياته الرقمية بحاجة إلى مساحات متدرجة: ساحة عامة للنشر، وجيب صغير للحديث، وغرفة خاصة للأصدقاء — تمامًا كما تُدرج حياته الحقيقية. الشبكات التي تفهم هذا التدرج ستبني أجهزتها القادمة حوله — والمستخدم الذي يبني «جيبه» الشخصي اليوم — بقائمة اشتراكات نظيفة ومجموعات مختارة — يعيد لهذا الإنترنت وعدًا قديمًا: أن يكون مكانًا يجد فيه ما يحب — لا ساحة يُصطاد فيها بلا إذن.

عمل أكثر من عشر سنوات في شركات التقنية الكبرى والناشئة، ويكتب اليوم عن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بهدف واحد: تقريب التقنية من القارئ العربي بلغة واضحة ودون مبالغة.



النقاش — كن أول المعلقين